عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني

99

معارج التفكر ودقائق التدبر

ونظرا إلى ظهور هذه الوقائع التاريخيّة جاء في الآية استعمال فعل الرّؤية : أَ لَمْ يَرَوْا ؟ ! لأنّ رؤيتهم الفكريّة العلميّة هي من الوضوح بمثابة الرّؤية البصريّة . * كَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ : كَمْ هنا خبريّة بمعنى : « كثير » وعبارة : مِنَ الْقُرُونِ بيان لإبهامها ، وهي في محلّ نصب على أنّها مفعول به لفعل : يَرَوْا . والمعنى : ألم يروا كثيرا من القرون أهلكنا قبلهم . * أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لا يَرْجِعُونَ : هذه العبارة مختزلة من كلام منفصل عن جملة : أَ لَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ . إنّ هذه الجملة مصدّرة باستفهام يحمل معنى الإنكار عليهم ، والتعجيب من أمرهم ، إذ لم يعتبروا بإهلاك اللّه عزّ وجلّ مكذّبي القرون السابقة . وممّا يثير الإنكار والتعجّب من حال هؤلاء القوم ، أنّهم علموا بإهلاك اللّه عزّ وجلّ مكذّبي القرون السّابقة علما يشبه الرّؤية البصريّة ، ثمّ لم يتّعظوا بذلك ولم يعتبروا به ، وانتهت الجملة عند هذا الحدّ . وبعدها يبحث الذّهن عن سبب عدم اتّعاظهم واعتبارهم ، بما جرى لمكذّبي القرون السّابقة ، ويتساءل : * أبلغوا من الحماقة أن يعرّضوا أنفسهم لإهلاك مماثل لإهلاك مكذّبي القرون السابقة ؟ ! هذا مستبعد وفيهم الأذكياء الفطناء . * أيشكّون في أنّ مهلكي القرون السّابقة قد أهلكوا بسبب تكذيبهم رسل ربّهم ، والعمل على منع رسالاته الّتي أرسلهم بها من الانتشار ؟ ! .